أحمد مصطفى المراغي
41
تفسير المراغي
فاستدعت أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها العطاء الجزيل ، ثم سألتها أن تقيم عندها وترضعه فأبت ذلك عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولا أستطيع المقام عندك ، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت ، فأجابتها إلى ما طلبت ، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساء وجزيل العطايا ورجعت بولدها إلى بيتها راضية مرضية قد أبدلها اللّه بعد خوفها أمنا وهي موفورة العز والجاه والرزق الواسع ، وقد جاء في الأثر « مثل الذي يعمل الخير ويحتسب كمثل أم ترضع ولدها وتأخذ أجرها » . وإلى هذا أشار سبحانه بقوله : ( فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ ) أي فرددناه إلى أمه بعد أن التقطه آل فرعون ، لتقرّ عينها بابنها إذ رجع إليها سليما ، ولا تحزن على فراقه إياها . ( وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) أي ولتعلم أنّ وعد اللّه الذي وعدها حين قال لها : ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) حق لا مرية فيه ولا خلف ، وقد شاهدت بعضه ، وقاست الباقي عليه . وبرده إليها تحققت أنه سيكون رسولا ، فربّته على ما ينبغي لمثله من كامل الأخلاق وفاضل الآداب . ( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) حكم اللّه في أفعاله وعواقبها المحمودة في الدنيا والآخرة ، إذ قد يكون الشيء بغيضا إلى النفوس ظاهرا ، محمود العاقبة آخرا كما قال : « فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً » . وقد حدث هذا في أمر موسى ، فقد ألقى في اليم ثم رد إلى أمه مكرّما ثم كان له من الوجاهة في الدنيا والآخرة ما كان . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 14 إلى 19 ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14 ) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 ) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ( 17 ) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 ) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 )